بقلم الكاتبة القديرة :سناء بدوي
جارتنا التي تسكن مقابل بيتنا أربعين عاما ً ، أصبحت مع العشرة والود ، كأحد أفرد أسرتنا الممتدة . حتى أننا نناديها بتحبب "خالتي" . وخالتي هذه كانت من قرية بعيدة عن المدينة حيث سكنتها بعد الاحتلال الإسرانيلي ، حملت معها ذكريات الحرب والتهجير وأحلام العودة إلى تلك القرية المدمرة ، فبدت دوما ً في غاية الصلابة والصمت، وعلى الرغم من التحفظات التي كانت ، خالتي هذه تبديها في أمورنا الخاصة ، إلا أننا اعتدنا على مصارحتها بكل صغيرة وكبيرة في أمورنا العائلية ، حتى أبي ، ذاك الشيخ والوقور ، كان يناقشها في أمور الحياة العامة والدين والتجارة ، معتمدا ً على صلابتها . فقد عرف الجيران عنها سعة الإطلاع وسرعة البديهة وكذلك قوة الشخصية ،وهو ما ورثته لبناتها قبل أبنائها .
الغريب ، تلك الليلة ، التي دخلت فيها جارتنا حالة النزاع ، وتحلقنا حول سريرها نقرأ القرآن وندعو لها بطول العمر ، ورحمة الله . ولأن جارتنا كانت قد شبعت من الحياة وبلغت من العمر عتيا ً ، لم تبد أسفا ًعلى ترك الدنيا ، وكان تقبلها لساعة الموت يحمل في طياته الإيمان والزهد وقوة الشخصية ، التي عرفت فيها طيلة أيام حياتها .
لكن الغربة في الأمر ، إنها طلبت مني الجلوس فوق رأسها وأشارت للآخرين بالخروج ، فظننت بأنها تريد أن تملي علي وصيتها ، فحملت ورقة وقلم ،وجلست فوق رأسها وسألت : نعم يا خالتي ؟ فقالت والدمع يجري من مقلتيها : لا أريد أن أوصي ، وصيتي يعرفها الأبناء ، إنما أريد أن أخبرك عن سر في داخلي كتمته ستين سنة . شعرت بأهمية الحديث ، وضرورة التركيز معها ، أومأت برأسي كي تستمر في حديثا ً خوفا ً من أن






















